غير الواقعيين هم من سيصنع التاريخ
سبق لي قبل أسبوعين أن كتبت مقالاً تحت عنوان (الواقعيون لا يصنعون التاريخ) ، و في مقال هذا الأسبوع سأتحدث في نفس السياق و لكن من الزاوية الأخرى ، و هي أن من صنع التاريخ و سيصنعه لهذه الأمة بإذن الله هم غير الواقعيين ..
و لكنني في البداية أود أن أوضح بأن ما أقصده بالواقعية و الواقعيين ، هو ذلك المصطلح الذي يردده الكثيرون منا في سياق : القبول بالواقع استسلاماً له و عدم السعي إلى تغييره طلباً للسلامة . و بالتالي فإنني عندما أتحدث عن عدم الواقعية و غير الواقعيين فإنني أقصد ما و من لا ينطبق عليهم التعريف السابق اصطلاحاً .. و إلاّ فإن من صنعوا التاريخ المشرق لأمتنا الإسلامية ، و حتى للأمم الأخرى هم الواقعيون الحقيقيون الذين لم يستسلموا لواقعهم المرير ، بل طوعوه و استثمروا كل طاقة و إمكانية فيه ، حتى استطاعوا أن يغيروه إلى واقع جديد أكثر حلاوة و أكثر إشراقاً ، و استطاعوا أن يحولوا أحلام و آمال أممهم إلى واقع مُعاش .. ولم يركنوا إلى واقعية الركون للواقع الرديء ..
إن الواقعيين الذين نقصدهم يسفهون -بكل الأسف- كل فعل يقود إلى تغيير واقع الأمة المرير ، و يكتفون بدعوتنا مراراً و تكراراً ، و بأساليب و طرق مختلفة إلى الاستكانة للقوى الباغية ، الرضى بما تقسمه لنا ..
فتجدهم يسفهون بالمقاومة المسلحة ، و بمقاطعة المنتجات الأمريكية ، و بمطالبة الشعوب بطرد السفراء الإسرائليين من عواصم عربية ، و بالمقاطعة الدبلوماسية ، بل و حتى بالكلام عن حقوقنا التاريخية في فلسطين .. و كل ذلك عندهم يندرج في سياق العنتريات و المستحيلات و التهور و عدم الواقعية ..
و عندما نتحدث معهم عن نجاحات من يعتبرونهم غير واقعيين ، و نستشهد بوقائع تاريخية و معاصرة ، يأتيك الجواب بأن هناك إختلافات جذرية و ليس هناك وجه للمقارنة ..
فعندما نقول هذه تجربة حزب الله في دحر الاحتلال ، يأتيك الجواب سريعاً أن الظروف تختلف ، و لا يمكن تطبيق التجربة على الضفة الغربية و قطاع غزة ، يقولون ذلك في حين أن القواسم المشتركة بين الحالين أكثر من الاختلافات ، خصوصاً في مسألة أسباب اندحار العدو المشترك ..
و عندما نستشهد بتجربة الجهاد في أفغانستان ، و كيف أن المجاهدين (غير الواقعيين) الذي بدأوا بأسلحة خفيفة جداً ، استطاعوا دحر و هزيمة أعتى قوة في العالم بعد أمريكا ، قيل لنا أن الظروف اختلفت ، و أن أمريكا كانت في صف المجاهدين في ذلك الوقت .. أي أن الواقعيين لا يرون قوة غير قوة أمريكا ، و أما الاستناد إلى قوة الله و تصاريفه فهي لا تتعدى أن تكون في سياق الدروشة و أساطير الأولين ..
إنني على يقين بالله أولاً ، ثم بما أثبتته تجارب الواقع عبر التاريخ أن من يعتبرهم البعض منا غير واقعيين ، و حالمين و متهورين و أضف ما شئت من الأوصاف التي يرددها واقعيو هذا الزمن هم الذين سيصنعون بإذن الله و حوله و قوته تاريخ و مستقبل هذه الأمة .. كما صنعهما أوائلهم ..
فكما صنع تاريخ هذا الدين بعد الله و رسوله صلى الله عليه و سلم ، سيدنا أبوبكر رضي الله عنه في حروب الردة ، و كما صنع تاريخ ليبيا الحرة المجاهد عمر المختار رحمه الله ،و كما صنع تاريخ أفغانستان و وضع حداً و تاريخاً لسقوط الاتحاد السوفيتي المجاهدون الأفغان ، و كما صنع تاريخ جنوب لبنان المحرر حزب الله ..
فسيصنع مستقبل فلسطين بإذن الله أولئك الذين نصفهم بأنهم غير واقعيين ، الذين اختاروا سبيل المقاومة المسلحة ضد هذا المحتل الغصوب حتى يرحل ، هم و ليس غيرهم من سيصنع هذا المستقبل و سيشهد لهم التاريخ بذلك .. و أما طروحات واقعيوا هذا العصر فلن تجد لها مكاناً سوى بين مهملات التاريخ ..
إن ما دعاني للعودة و الكتابة حول هذا الموضوع ما كتبه الأستاذ عبد الله أبو السمح في صحيفة عكاظ بتاريخ 10/3/1423هـ ، وحثه للسلطة الفلسطينية على استبعاد خيار المقاومة المسلحة ، و أن عليها اللجوء إلى القوى العالمية الفاعلة لفرض سلام يُعطي الشعب الفلسطيني الأمن و وطناً و أرضاً ، يسيتطيع أن يبدأ عليها مسيرة تنمية شاملة .. إلى أن قال بمعنى العمل على إيجاد شعب متقدم يماثل تقدم الإسرائليين ، عندئذ -ربما خلال الخمسين عاماً القادمة- يستطيع هو المفاوضة لأخذ حقوقه .. و قال بأن علينا أن لا نغالط أنفسنا و نجري وراء شعارات جوفاء ، و أن علينا القبول بأحسن المعروض علينا و أن لا نعقد الأمور بطلبات مستحيلة ..
أي أن علينا من وجهة نظر الأستاذ أبو السمح الواقعية البراجماتية أن ننسى المسجد الأقصى ، و أن نترك أكثر من خمسة ملايين لاجئ في مخيمات البؤس و التشرد ، و نقبل بمستوطنات تقطع أوصال الوطن ، و أن نقبل بدولة بلا سيادة و مقطعة إلى كنتونات .. و نسي الأستاذ عبد الله أو بالأحرى تناسى أننا طوال العقود الماضية و نحن نلجأ إلى هذه القوى الفاعلة دون أن نجني إلاّ هذا الواقع المرير الذي نعيشه .. و تناسى الأستاذ عبد الله عامداً متعمداً أن التنمية الحقيقة لا تتم في ظل الاستعمار و الذل و القهر و الهوان و غياب الحرية و الاستقلال الكامل ..
و الله المستعان على ما يصفون ..
13/3/1423هـ فائز صالح محمد جمال فاكس 5422611-02 Email: fayezjamal@yahoo.com
بيانات النشر
نُشر يوم : الاثنين الموافق 15/3/1423هـ
في صحيفة : المدينة المنورة رقم العدد : 14278 صفحة رقم : (الرأي) .
التعديل : حذف ما تحته خط .
14278 سياسة الرأي 15/3/1423هـ المدينة رابط المقال على النت http://