ذهاب الأمم بذهاب أخلاقها
المتأمل في أحوالنا اليوم سوف يلحظ أن كل خير في حياتنا وكل نافع في معاشنا وراؤه قيمة أخلاقية حميدة ، و بالمقابل كل شر و كل ضُر و كل فساد وراؤه قيمة أخلاقية ذميمة .. بل تجد في كثير من الأحيان أن مظهر من مظاهر الخير يخفي وراؤه مجموعة من القيم الأخلاقية الحميدة و في المقابل أن كل مظهر من مظاهر الفساد تتشابك في مجموعة من الأخلاق الذميمة ..
فمن الفساد الإداري على سبيل المثال عدم الاعتماد في اختيار الموظفين على مبدأ الجدارة و إنما على مبدأ الولاء والجماعة و الشللية ، فيقف وراء هذا السلوك جملة من القيم الأخلاقية الذميمة ، منها خيانة الأمانة بعدم اختيار الأكثر جدارة ، و الظلم بحرمان الأجدر بالوظيفة ، و الكذب و التزوير بتقديم مسوغات لاختيار الأقل كفاءة ، و الإضرار بالناس بسبب ضعف أداء الأقل كفاءة .. و هكذا ؛ و في الغالب كل فساد يجمع سلسلة من الأخلاق الفاسدة و السيئة و يؤدية مجموعة من الفسدة على طريقة (أمسكلي و اقطعلك) ..
وضعف الأداء الذي نعيشه في معظم الجهات الحكومية و يكون سبباً في تعكير صفو حياتنا مرده في الأساس لعدم اعتماد مبدأ الجدارة في اختيار الموظفين .. فتعقيد الإجراءات و طول أمد إنهاء المعاملات و القضايا ، بل وحتى الحفر و المطبات في شوارعنا ، و ازدحامها وغياب منظومة النقل العام ، وسوء نظافتها ، و و .. كل ذلك بسبب عدم إيكال الأمور إلى أهلها من أهل الجدارة و الكفاءة و الاختصاص ..
و لو عكسنا الصورة باعتمادنا مبدأ الجدارة في اختيار الموظفين سنجد مجموعة من الأخلاق الحميدة قد اجتمعت لتقابل تلك الأولى وهي هنا الأمانة و العدل و الصدق و الشفافية و نفع الناس ..
ومثال آخر من الفساد المالي وهو فساد وضع اليد على الأراضي وهو ما اصطلح على تسميته مؤخراً بالتشبيك ، ستجد أيضاً وراؤه مجموعة من الأخلاق الذميمة و منظومة فساد يديرها زمرة من المفسدين ، منها أكل المال الحرام بوضع اليد على أراض بغير وجه حق ، و الكذب عند الادعاء بالإحياء ، و شهادة الزور عند احضار الشهود بالإحياء ، و الاحتيال بمظاهر احياء مؤقتة لحين اتمام وضع اليد ، و الرشوة لتمرير المعاملة في الجهات المعنية ، و الأنانية بالإستيلاء على مساحات شاسعة و حرمان الغير من نصيبهم فيها ، و أهمها الظلم العام و المتعدي بالتسبب في شح الأراضي و ارتفاع أسعارها و بالتالي حرمان غالبية الناس من حقهم في الحصول على أرض من اجل سكن يؤيهم ..
كنت في الأسبوع الماضي في اجتماع مطول في مجلس إحدى الجمعيات المعنية بالارتقاء بسلوك المجتمع ومعالجة بعض الظواهر السلبية ، وقد حفل جدول أعماله بالكثير من الموضوعات الإنجازات ، و ظللت طوال الاجتماع أتأمل ما نشكو منه و ما نحاول عمله ، فوجدته كله متعلقاً بتعديل سلوكيات سلبية لبعض أفراد المجتمع ، و أن هذه السلوكيات يقف وراءها نقص في الأخلاق الحميدة ، و غياب القدوات في السلوكيات الإيجابية .. و بالتالي فإن الحل لغالبية ما نعانيه في حياتنا و تعاملاتنا هو تنمية الأخلاق في المجتمع و بروز قدوات صالحة للمجتمع تمارس الصدق و الأمانة و الشفافية و العدالة و حب الخير للناس ..
و أما بروز القدوات السيئة و تفشي ممارسات الكذب و الخيانة و الظلم فهو إيذان بذهاب الأمم و ذهاب أمنها و تقدمها و رخاءها .. و قد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي عندما قال:
ألا إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
و قبله صلى الله عليه وسلم الذي قال : إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق
فإن أردنا النهوض بمجتمعنا و أمتنا فعلينا بتنمية الأخلاق الحميدة في المجتمع و إبراز القدوات الصالحة ، و يقع الحمل الأكبر في هذا الجانب على الحكومة و جهاتها المعنية وأهمها وزارتيْ التربية و التعليم ، و الثقافة و الإعلام ، و أما وزارة الشئون الاجتماعية فيتمثل دورها في التصريح و الدعم لمؤسسات المجتمع المدني للقيام بدورها في تنمية أخلاق المجتمع فقد تأخرنا كثيراً في تفعيل دور المجتمع المدني. و لعل من المناسب هنا تكرار مطالبة الوزارة بسرعة التصريح لجمعية (مكارم) التي تقدم مؤسسوها بطلب تأسيسها منذ حوالي ثمان سنوات وهي جمعية تهدف حسبما ورد في نظامها الأساسي إلى إحداث تغيير إيجابي في سلوكيات المجتمع ، و زيادة معرفته بمكارم الأخلاق ، و تعميق فهمه بها و بتطبيقاتها على الحياة ، وتحقيق الاستقرار النفسي عبر مكارم الأخلاق الإسلامية ، و تحسين صورة المسلم أمام المجتمع العالمي.
11/4/1434هـ فائز صالح محمد جمال فاكس 5450077-02 Email:fayezjamal@yahoo.com
بيانات النشر
اليوم |
التاريخ |
الصحيفة |
رقم العدد |
الصفحة |
|
السبت |
13/4/1434 |
23/2/2013 |
المدينة المنورة |
18203 |
الرأي |
التعديل : لا يوجد. |
|||||
18203 تنمية الأخلاق صفحة الرأي 13/4/1434 المدينة A r