الواقعيون لا يصنعون التاريخ !!

by Admin
الواقعيون لا يصنعون التاريخ !!

ما انفك بعض إخواننا من الكتَّاب يدعون إلى ضرورة الإلتزام بالواقعية في تحركنا لانتزاع حقوقنا في فلسطين .. بل و أفرطوا في ذلك حتى أنهم أصبحوا يتجاهلون عمداً حقائق تاريخية ، و تجارب إنسانية تقول بعكس ما ينادون به ..

فالواقع -المشتق منه كلمة الواقعية- يقول بأن الحقوق المغتصبة تُنتزع و لا تُعطى ، و الواقع أيضاً يشهد بأن ما أُخذ بالقوة لا يستُرد إلاّ بالقوة ، و أن هناك أثمان لابد من دفعها ، و تضحيات لابد من تقديمها ، في سبيل نيل الحقوق و استعادة المغتصب منها ..

الواقع يؤكد أن المقاومة للمحتل و المستعمر هي السبيل الأنجع و الأمضى لطرده .. ، و الواقع أثبت لنا عبر التاريخ على سبيل المثال كيف خرجت إيطاليا من ليبيا ، و كيف خرجت فرنسا من الجزائر بعد استعمار تجاوز المائة و ثلاثين عاماً ، و أن هناك أثمان باهظة دُفعت في سبيل ذلك ، وهي أثمان مستحقة على من يطلب الحرية .

و في واقعنا المعاصر أثبت هذا الواقع كيف أن إسرائيل خرجت صاغرة من لبنان تحت الضربات الموجعة للمقاومة اللبنانية الباسلة ، و ذلك دون قيد أو شرط ، أو حتى اتفاقية تحفظ بها ماء وجهها ..

و سيثت لنا السيد الواقع أنها لن تخرج من الضفة الغربية و قطاع غزة -و هي أقل من رُبْع حقوقنا في أرض فلسطين- إلاّ تحت الضربات الموجعة للمقاومة الفلسطينية و ليس تحت شعار الواقعية المفتعلة و لا بالمفاوضات الزائفة .. و ليست الانتفاضة الأولى التي أتت باعتراف إسرائيل و أمريكا بمنظمة التحرير (الإرهابية) ، و بالسلطة الفلسطينية من الشتات إلى أراضي فلسطينية عنا ببعيد ..

و لا أدري هل كان عمر المختار واقعياً عندما قاد جحافل المجاهدين و هم لا يملكون من السلاح سوى الخفيف منه ضد الاستعمار الايطالي المدجج بأقوى و أعتى الأسلحة الفتاكة ؟!!

و هل قادة المقاومة في لبنان و على رأسهم حزب الله كانوا واقعيين عندما قرروا مواجهة ثالث أكبر جيش في العالم بأسلحتهم الخفيفة و بالكاتيوشا و بالقنابل البشرية ؟!!

إن تاريخنا يشهد بأن الانتصارات و الإنجازات التي يمكن وصفها بالتاريخية لم يحققها الواقعيون ، و سأذكر بعض الأمثلة على ذلك متجاوزاً المثال الأعظم و هو رسولنا ونبينا محمد صلى الله عليه و سلم باعتبار أنه رسول من رب العالمين مؤيد بالوحي و بالملائك عليهم السلام .. و أبدأ بخليفته سيدنا أبي بكر رضي الله عنه و موقفه من حروب الردة ، فلو أنه كان واقعياً حسب مفهوم المبشرين بالواقعية في أيامنا لما أصر على تحريك أحد عشر جيشاً لحروب الردة في آن واحد ، و ترك المدينة دون جيش يحميها ، و لما قال قولته الشهيرة : “و الله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه” ..

ثم لو كان الصاحبي الجليل البراء ابن مالك رضي الله عنه واقعياً بواقعية اليوم لما ألقى بنفسه في حديقة الموت و سط الآلاف من جند مسيلمة الكذاب المتحصنين داخلها ، و لما قاتلهم بمفرده -و هو يعلم شدة بأسهم- ، حتى قتل عشرة منهم ، و لما تمكن من فتح باب الحديقة لجيش المسلمين ، و تم بفضل الله القضاء على فتنة المرتدين ، و على كذابهم مسيلمة ..

إن الواقعيين في هذه الأيام يدعوننا إلى واقعية تُسقط جميع أسلحتنا ، و تُلقي بنا بين يدي أعدائنا بلا حراك ، بل و بعضهم يُصر على واقعيته و هو يرانا كالخراف تُذبح واحداً تلو الآخر ، و يريد منا الذهاب إلى الذبح دون مقاومة أو ضجيج ، (عفواً للخراف فهي تقاوم و لا تذهب إلى الجزار طائعة مستسلمة) . واقعية لا ترى إلاّ الاستسلام الكامل .. واقعية أسقطت حتى مسألة الإعداد و الاستعداد لمواجهة العدو يوماً ما .. واقعية تثبط وتعوق كل تحرك إيجابي نحو المواجهة للأعداء .. فهي لا ترى واقعية في المواجهة العسكرية بأي شكل كان ، و لا ترى واقعية في المواجهة الدبلوماسية ، و لا المواجهة الاقتصادية ، و لا المواجهة الثقافية ..

واقعية تبعية .. استسلامية .. ذوابانية ..

و أما الغريب في الأمر أنك تجد الفلسطينيين أنفسهم و بمختلف مشاربهم و فئاتهم و أعمارهم يصرون على مواصلة المقاومة و الصمود في وجه الاحتلال ، ولم يدع أحدهم إلى الاستسلام و التسليم و رفع الراية البيضاء أمام العدوان الوحشي للجيش الإسرائيلي ،  هذا في حين أنهم هم من يذوقون الضرب كما يقول المثل ، و ليسوا كأولئك الواقعيين الذين يعدونه .. و ذلك ليس إلاّ بسبب معرفة الفلسطينيين أن وضعهم في ظل الاحتلال هو الأسوأ على الاطلاق ، و أن هناك ثمناً لابد من دفعه لقاء تحررهم و استقلالهم ، و إنهاء مآسيهم التي يبدو أننا لسنا قادرين على تخيلها و استشعارها .. لدرجة أن منا من يرى بـ “أن التسوية السياسية مهما بلغ ثمنها بالتأكيد ستكون أرحم من التدمير الشامل ..” و منا من يرى “أن لا شيء يقضي على إسرائيل سوى التحضر .. و كأن إسرائيل -و من ورائها أمريكا- هزمتنا، و اغتصبت حقوقنا، و احتلت أراضينا ، و سحقت كرامتنا، من خلال التحضر ، وليس من خلال الأباتشي و الإف 16 و ميركافا .. ألا قاتل الله واقعية كالتي يدعونا إليها هؤلاء ..

28/2/1423هـ   فائز صالح محمد جمال  فاكس 5422611-02 Email: fayezjamal@yahoo.com

 

بيانات النشر

نُشر يوم : الاثنين الموافق 1/3/1423هـ

في صحيفة : المدينة المنورة    رقم العدد : 14264      صفحة رقم : (الرأي) .

التعديل : لا يوجد . و قد قمت بنشره في موقع الوسطية ، و حظي ببعض التعليقات ، و نشره الدكتور خالد باطرقي الكاتب بجريدة المدينة في موقع آخر على الانترنت وهو speech[reem_w3_2002@arabia.com] .

 

14264 سياسة الرأي 1/3/1423هـ المدينة رابط المقال على النت http://

قد يعجبك أيضاً

اترك تعليق