الصحافة و التماس الحصانة
كثيراً ما يدور بيني و بين بعض الأخوة المتابعين للصحافة ، و بعض القراء حوار حول ما تنشره صحفنا ، و تحفظهم على بعضه ، و لعل مثل هذه التحفظات و الاعتراضات قد تزايدت في الآونة الأخيرة ، نتيجة للمساحات الأوسع التي بدأت تخطو إليها صحافتنا على استحياء ، في سبيل ما تنشده من إصلاح لأحوال المجتمع ..
و قد تكون التغطية الصحفية لما حدث في المدرسة الحادية و الثلاثين للبنات بمكة المكرمة ، و حادثة إطلاق الرصاص في جامعة الملك عبد العزيز بجدة أقرب مثالين على ما يُقابل بمثل هذه الاعتراضات و التحفظات ..
و ما لمسته من حواراتي مع البعض أن هناك محاولة مبطنة لفرض حصانة لبعض المهن ، كالأطباء و أساتذة الجامعات ، أو بعض الجهات كهيئات الأمر بالمعروف أو جهاز القضاء و غيرها .. بحيث لا يمكن للصحافة تناول ما يجري فيها من تجاوزات و مخالفات و فساد ، و كأنها تعيش المثالية .. و بالطبع كل منهم يسرد لك المبررات و المسوغات لالتماس هذه الحصانة .. و كثيراً ما يُشار إلى الهيبة و المكانة و السمعة ، فهيبة المعلم يجب أن لا تُمس ، و كذلك مكانة الطبيب ، و سمعة القضاء ، و ما إلى ذلك ..
و هذه الأمور المتعلقة بالهيبة و المكانة و السمعة لا شك أنها مهمة و لابد من العناية بها ، و لكن عند من يستحقها ، أما الفاسدين من كل هؤلاء ينبغي أن لا يكون لهم حصانة بحكم المهنة أو الجهة التي يعملون فيها .. و أقول ذلك لأنني أؤمن في النهاية بأن الحالة و الحالتين من الفساد لن تمس الهيبة و المكانة و السمعة ، بل قد يكون إبراز الحالة و الحالتين سبب في القضاء على الفساد ، و في أضعف الأحوال جعله محدوداً و منزوياً ، بدلاً من أن يكون مستشرياً و ظاهراً ليتعلمه الجاهل و يتنبه إليه الغافل فيسلكون مسالكه .. و أما إن كان الفساد مستشرياً في مهنة ما أو جهة ما فإن الأولى هو إفساح المجال للصحافة و الصحفيين أن يقوموا بدورهم الإصلاحي البناء ..
و بمناسبة الحديث عن الحصانة نجد هناك جهات اكتسبت الحصانة و لو جزئياً دون أن يمنحها أحد ذلك ، و يمكن للمتابع للصحافة أن يتلمس ذلك فيما تنشره الصحافة من تحقيقات و مقالات ، و لن يحتاج إلى كثير عناء ليصل إلى معرفة تلك الجهات التي لا تقترب منها الصحافة كثيراً طلباً للسلامة ..
و عندما أتحدث عن أنه لا ينبغي أن يكون هناك حصانة لأحد في مجال الصحافة و هي تلعب دورها الإصلاحي ، و دورها في الرقابة على أداء الجهات المختلفة المعنية بخدمة الوطن و المواطن و رعاية مصالحهم ، فإنني أعني بالتأكيد أن يكون ذلك في إطار خدمة الحقيقة بصدق ، بعيداً عن الأغراض ، و الإثارة عبر الأكاذيب..
و أنا أؤمن بأن إفساح المجال للصحافة لقول الحقيقة ، فيه الحماية ضد الأكاذيب ، سواء تلك التي قد تروجها بعض الصحف ، أو الأخرى التي قد تدفع بها بعض الجهات ما يوجه لها من نقد .. و يحضرني في هذا المقام ما حدث قبل عدة سنوات عندما أرادت إحدى الصحف أن تبث أكذوبة المليون قارئ فتصدت لها الصحيفة المنافسة و فندت أكذوبتها ، و كيف كان ذلك سبباً في توقف التمادي في بث الأكذوبة ..
و في تصوري في حال تصحيح أوضاع الصحافة و جعلها في خدمة الحقيقة بصدق ، فإن أحداً لن يجرؤ على بث أكاذيبه ، و سيحسب للصحافة اليقظة خادمة الحقيقة ألف حساب ، و في ذات الوقت لن نجد من يكذب ما تنشره ذات الصحافة من أخبار صحيحة و حقيقية ..
لذلك فإنني أرى أهمية لإفساح المجال للصحافة لكي تعمل في خدمة الحقيقة و بصدق ، دون منح الحصانة لأية جهة كانت ، حتى و إن أدى ذلك لبعض الشطحات –دون المساس بالثوابت- ، و ذلك لتحقيق ما ننشده من إصلاح أولاً ، و للارتقاء بالوعي العام ثانياً ، و بالمهنية الصحفية لتجاوز الشطحات إياها ثالثاً ..
أما أن نظل نطالب بدور الوصاية على الصحافة و تحديد ما تنشر و ما لا تنشر بحجة الهيبة و المكانة و السمعة ، فهو ما سيجعلها دائماً في مقام القاصرين و لن تبلغ مبلغ الراشدين .. و الله الموفق و المعين ..
5/4/1423هـ فائز صالح محمد جمال فاكس 5422611-02
E-mail: fayezjamal@yahoo.com
بيانات النشر
اليوم |
التاريخ |
الصحيفة |
رقم العدد |
الصفحة |
الثلاثاء |
7/4/1423هـ |
الندوة |
13275 |
الأخيرة |
التعديل : استبدال كلمة فساد بالتخاذل و الفاسدين بالمتخاذلين . |
13275 صحافة و إعلام الصفحة الأخيرة 7/4/1423 الندوة رابط المقال على النت http://