الحج خدمات وليس أمناً فقط
لا ينكر أحد حجم الجهود و الأموال التي تبذلها هذه الدولة بقطاعاتها الثلاثة الحكومية و الخاصة و منظمات المجتمع المدني ، و لا يشكك أحد حتى في الحرص و صدق النوايا من أجل تمكين الحجاج من اداء مناسكهم بيسر و سهولة ..
و في نفس الوقت لا يمكن لأحد أن يتجاوز أهمية الأمن في أداء الحج و في نجاح خططه وبرامجه الخدمية ..
و لكن ما ألحظه كمطوف و مراقب لأعمال الحج و منظومته على مدى عقود مضت هو أن صوت الجهات الأمنية في مواقع صنع القرار المتعلق بالحج هو الصوت الأعلى إلى الحد الذي حدّ من فعالية منظومة الخدمات التي تُقدم للحجاج ، و أعاق تطورها الطبيعي ، ولعلي أسوق فيما يلي عدة أمثلة لتوضيح ما أعنيه ..
أذكر ابتداءاً مشروع الخيام المطورة الذي جاء على إثر حادثة الحريق الشهيرة عام 1417هـ ، و الذي تأثّرت عملية وضع مواصفاته بحادثة الحريق فركّز على جانب الأمن ، و على الحد من فرص اشتعال الحرائق و أهمل أو قل أعطى اهتماماً أقل للجوانب المتعلقة بالخدمات ، مثل مساحات الإسكان و ممرات الحركة و المطابخ و الحمامات و الشوارع و أماكن تجميع و نقل المخلفات ، ومحلات بيع احتياجات الحجاج الحياتية (مطاعم – صيدليات – بقالات – ملابس – هدايا -..) و منذ بداية المشروع قلت بأن الخيام ليست البديل الأمثل للإسكان في منى ، و توقعت في مقال قديم بأنه –وأعني مشروع الخيام- لن يحل إلا مشكلة تكرار الحرائق في مشعر منى ، و أما بقية مشاكل الإسكان في منى فستتفاقم و أهمها عدم مواكبة الزيادة المطردة لأعداد الحجاج و ضيق الشوارع و صعوبة التنقل و الحركة ، وقلة محلات البيع و المطاعم ، و للأسف كل ما تم التحذير منه متحقق ..
وأما المثال الثاني فهو مشروع جسر الجمرات الذي جاء على إثر تكرار حوداث التدافع أثناء الرجم ، إذ تم التركيز مرة أخرى على الجوانب الأمنية و لم تُعط جوانب الخدمات ما تستحقه في منطقة الجمرات ، إذ تم توفيرها عند حدودها الدنيا فلا خدمات النظافة و لاالطعام و لا خدمات كبار السن و المرضى بالقدر المناسب لأعداد الحجاج الذي يمرون من هناك.
قطار المشاعر مثال ثالث على ضعف الحس الخدماتي في منظومة الحج ، إذ في نظري أنه كان بالإمكان تخصيص مسار ثالث مخصص لنقل احتياجات المخيمات و محلات البيع و حتى نقل المخلفات وفق ترتيبات تقنية و ميكانيكية معينة ولكن للأسف لم يحصل.
سقت هذه الأمثلة للتدليل على غلبة الحس الأمني في أعمال الحج على الحس الخدماتي ، باعتبار أن أنها من أكبر المشاريع التي نفّذت في ظل الحاجة لتطوير حزمة من الخدمات التي تلبي احتياجات الحجاج ، و أُنفق عليها آلالاف الملايين ، و كان بالإمكان انتهاز فرص تنفيذها لتطوير منظومة النظافة على سبيل المثال باعتبار أنها قضية مثارة خلال المواسم الأخيرة و في تفاقم مستمر وهي موضوع مقالي القادم بإذن الله ، و لكن ضعف صوت الخدمات مقارنة بصوت الأمن في مواضع صنع القرار المتعلق بأعمال الحج أدى إلى تفويت هذه الفرص.
و أختم بأنني لا أقلل من أهمية الأمن في الحج إطلاقاً ، و هو مطلب كما هو مطلب في كل الأوقات و في كل البلدان ، و لكني لاأزال أؤمن بأن الحج في الأصل خدمات ، و أن هيمنة الحس الأمني على منظومة أعمال الحج أدت إلى إضعاف الجوانب الخدماتية وهو ما يجب التنبه إليه و تصحيحه للجمع بين الحسنيين الخدمة و الأمن.
والله ولي التوفيق
د. فائز صالح جمال
16/12/1435هـ
بيانات النشر
اليوم |
التاريخ |
الصحيفة |
رقم العدد |
الصفحة |
|
الإثنين |
19/12/1435 |
28/09/2014 |
مكة المكرمة |
274 |
الرأي |
التعديل : حذف ما تحته خط |
|||||
274 الحج و الطوافة الرأي 19/12/1435 صحيفة مكة رابط المقال على النت http://www.makkahnewspaper.com/makkahNews/writing22/81217#