التأمين الإلزامي نموذج مكلف لشراكة القطاعين
انطلق التأمين الإلزامي بالتأمين على السيارات ، لمواجهة الإشكالات الناتجة عن تبعات الحوادث المرورية من خسائر في الأرواح و الممتلكات ، و تكاليف التعويضات عن الوفيات و الإصابات و التلفيات ، و التي يعجز الكثير من الناس عن دفعها ..
ثم بعده بسنوات تبعه التأمين الطبي على العمالة الوافدة ، و كان على مرحلتين ، الأولى إلزام مؤسسات القطاع الخاص بالتأمين على عمالتها ، و الثانية التأمين على مرافقي العمالة.
و كلاهما –و أعني التأمين على السيارات و التأمين الصحي- للأسف تأسس على قاعدة الإلزام ، و ركن إليه ، ولم تؤثر فيهما المنافسة الشكلية التي سعت الجهات المعنية بالتأمين إلى توفيرها لتفادي ارتفاع الأسعار على المواطن و المقيم ، إذ لا يزال سوق التأمين لدينا هو سوق احتكار القلة .. فعدد شركات التأمين يُعد محدوداً مقارنة بحجم الطلب ، و يعزز هذا الاحتكار سيف الإلزام المسلّط على أعناق القطاع الخاص و العمالة الوافدة .. و أثر هذا الاحتكار ملموس و واضح من الارتفاع المطرد لأسعار التأمين عاماً بعد عام ..
وقد نشرت هذا الصحيفة قبل عدة أشهر دراسة أكدت أن أقل أسعار التأمين على السيارات عندنا تتجاوز ضعف أعلى سعر تأمين في دول الخليج ..
و أما أسعار التأمين الطبي فحدّث و لا حرج ، وهو ما فتح أبواباً للفساد و لأكل أموال المضطرين بالباطل دون تقديم أي خدمة طبية لهم عند حاجتهم و مرضهم ..
الغريب في تجربة الشراكة في مجال التأمين أنه اقتصر على إلزام المواطنين و المقيمين بالتأمين على السيارات و التأمين الطبي على الموظفين و عائلاتهم ، و لم يتم إلزام شركات التأمين بأسعار محددة أو على الأقل أسقف عليا لمستويات ما تقدمه من خدمات ، فوصل قسط التأمين الطبي السنوي للفرد الواحد إلى عشرات الآلاف ، حتى بات قسط التأمين الطبي أقرب إلى قيمة شراء الخدمة الطبية و دفع هذه القيمة مقدماً عبر شركات التأمين..
وكذلك لم يتم إلزام شركات التأمين بوجوب التأمين على جميع الموظفين دون استثناء كبار السن .. و بذلك ترك المجال للشركات للتنصل من توفير الرعاية الطبية لمن هم الأولى بها و هم كبار السن ..
إن مبدأ التأمين الطبي مبني على توفير الرعاية الطبية و العلاج لجميع أفراد المجتمع بأعلى جودة و أقل كلفة ممكنة وليس بهدف التربح من معاناة و أمراض الناس ، و يتأكد هذا المبدأ عندما يكون قرار التأمين حكومياً إلزامياً .. فالحكومات معنية بتوفير الرعاية الطبية لمواطنيها –وفي بعض الدول كل من هم على أراضيها – مجاناً ، و لوجوءها لمفاهيم التأمين الطبي هو من باب خفض الكلفة على ميزانياتها و ليس تجيير الكلفة للمواطن ، بمعنى أنها هي من يدفع فاتورة التأمين و ليس المواطن و إذا سلمنا بأن على غير المواطن دفع تكاليف علاجه فإن أضعف الإيمان أن يكون ذلك بكلفة منخفضة و أن لا يُسمح بالتمييز ضد كبار السن ..
إن ارتفاع أسعار التأمين مقارنة بدول الجوار أثقل كاهل المواطن و المقيم وساهم في غلاء المعيشة.. ولذلك فإن المقترح من أجل كبح الأسعار و تخفيف كلفة فاتورة التأمين وبالأخص الطبي هو إلغاء الإلزام و الاستناد إلى تعود المستفيدين وحاجتهم خدمة التأمين ، أو على الأقل التخفيف من الإلزام من خلال إلغاء الإلزام لشرائح من العمالة و مرافقيهم ، و ذلك من أجل إحداث توازن بين القوى التفاوضية لكل من شركات التأمين و المؤمّن عليهم..
أما الاستمرار في الإلزام أو التوسع فيه فسيزيد من إشتعال الأسعار و يفتح المزيد من أبواب من الفساد و يحرم من هم أولى بالرعاية الطبية من حقهم في العلاج وهم كبار السن .. و الله المستعان
د. فائز صالح جمال
24/06/1437هـ
بيانات النشر
اليوم |
التاريخ |
الصحيفة |
رقم العدد |
الصفحة |
|
الإثنين |
26/06/1437 |
04/04/2016 |
مكة المكرمة |
813 |
الرأي |
التعديل : حذف ما تحته خط |
|||||
813 التجارة و الصناعة الرأي 26/06/1437 صحيفة مكة رابط المقال على النت http://makkahnewspaper.com/article/138873