البدعة الحسنة
نفى خطيب الجامع الذي أصلي فيه الجمعة في سياق خطبته يوم الجمعة الثانية من شهر ربيع الأول الحالي أن يكون هناك بدعة حسنة ، و طالب من يقول بوجودها بالدليل ، وساق دليله على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (… إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة..) الحديث ، في حين أننا نشأنا على أن هناك بدعة حسنة و بدعة سيئة أو بدعة ضلالة ، و لعل أشهر ما نعرفه في هذا الشأن قول الفاروق سيدنا عمر رضي الله عنه ،
و هو أحد من أُمرنا باتباع سنته ، حيث قال بعد أن جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح في ليالي شهر رمضان المبارك (نعمة البدعة هذه) ، و ما كان لسيدنا عمر أن يثني على بدعة فيما لو كانت جميع البدع سيئة كما يدّعي صاحبنا خطيب الجمعة ..
و ما سمعته من الخطيب دعاني إلى الرجوع إلى كتب الحديث للبحث عن مسألة البدعة ، فوجدت ما يفهم منه أن البدعة قد تكون بدعة ضلالة ، و قد تكون غير ذلك ، فقد جاء في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث: اعلم ، قال: ما أعلم يا رسول الله قال: اعلم يا بلال ، قال: ما أعلم يا رسول الله قال: (إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله و رسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا) ، قال أبو عيسى هذا حديث حسن ..
فأقول : ألا يُفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم (بدعة ضلالة لا تُرضي الله و رسوله) ، أن هناك بدعة ليست كذلك ، أي أنه قد تكون بدعة حسنة ترضي الله و رسوله ..
ثم و في الحديث المشهور من صحيح مسلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سنّ في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها و لا ينقص من أجورهم شيء ، و من سنّ في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها و لا ينقص من أوزارهم شيء) . أفليس المقصود هنا بكلمة سنّ أي أحدث أمراً لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه و سلم ، أي ابتدعه ؟؟ و لذلك كان التمييز بين السنة الحسنة و السنة السيئة ، أو البدعة الحسنة و البدعة سيئة ؟؟
ثم ألا يُفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أن المردود هو المحدث مما هو ليس من أمر الإسلام ، أما ما له أصل في الشرع الحنيف كالصيام و الصلاة و الذكر و الدعاء فهو غير مردود ..
إن الحديث عن البدعة بدعة الضلالة يكثر في هذا الشهر من كل عام ، لتحذير الناس مما أسموه بدعة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف ، و بلغ الحماس ببعض الخطباء أن ينفوا أن تكون البدعة حسنة بإطلاق ، على غير ما استقر في أذهان و عقول عامة المسلمين ، و خلاف ما جاء في السنة النبوية المطهرة ..
و لاشك أن مسألة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف تحتاج إلى حوار موضوعي هادف ، هدفه الأساس هو بلوغ رضا الرحمن و كل ما يقرب إليه عز وجل ، و هو في يقيني ما يسعى إليه كلا الفريقين ، فكل يقدم أدلته و حججه لتدعيم وجهة نظره و فتواه في مسألة المولد ، بهدف تقريب الناس إلى الله ، و إلى ما ينفعهم في يوم لا ينفع فيه مال و لا بنون ، و لذلك فإن الالتقاء و عرض الأدلة و الحجج بعيد عن التشنج و تغليظ القول ، سيفضي بإذن الله إلى التآلف و الوصول إلى الصواب ، و إلى البعد عن الفرقة و العناد ، فالعناد كما قيل صنو الكفر نسأل الله العافية و السلامة للجميع ..
و أما أن تكون مجالس الذكر و قراءة القرآن و استعراض السيرة النبوية الشريفة ، بعيداً عن أية مخالفات شرعية ، فقط كوْنها في هذا الشهر العظيم ، الذي شهد ميلاد النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ، سبباً لدخول المؤمنين النار فهو ما أرى أنه يحتاج إلى إعادة نظر من قبل من يرونه كذلك .. و الله ولي التوفيق ..
17/3/1422هـ فائز صالح محمد جمال فاكس 5422611-02
E-mail: fayezjamal@yahoo.com
بيانات النشر
نُشر يوم : الاثنين الموافق 19/3/1422هـ
في صحيفة : الندوة رقم العدد : 12966 الصفحة الأخيرة .
التعديل : لا يوجد .
12966 إسلاميات الصفحة الأخيرة 19/3/1422 الندوة رابط المقال على النت http://