الأخطاء الطبية و التقاضي و التعويض (2)
كنت قد نقلت في مقال الأسبوع الماضي معظم ما جاء في رسالة القارئ الأستاذ محمد بن عطية الحربي من مكة المكرمة ، والتي تتلخص في معاناته مع الأخطاء الطبية التي حدثت لابنته و ابنه ، فالأولى مصابة بشلل الأطفال و كانت تمشي على عكازين ، و لطموحها وحلمها في مزيد من التعافي راجعت إحدى مستشفيات جدة الخاصة على ذلك الأمل ، إلاّ أنها بعد عمليات مطولة لم تعد قادرة على المشي حتى بعكازين ، وكان ذلك بسبب أخطاء ارتكبت من قبل الطبيب الجراح .. ،
وعندما رفع دعوى ضد المستشفى قوبل بتثبيط من القاضي المسئول عن القضية فآثر ترك متابعة القضية وفوض أمره لله ..
و أما ابنه فقد أُصيب بشلل في قدمه بسبب حقنة عضلية أُعطيت له في مستوصف أهلي ، و رفع دعوى و هي منظورة الآن لدى نفس القاضي الأول ، و كنا قد وصلنا في الأسبوع الماضي إلى أنه تحدد موعد للنظر في القضية بتاريخ 16/3/1421هـ ، و أنه متخوف بسبب عدم اطلاعه على مجريات القضية ، و من أن يكون حكم اللجنة على مبدأ الدية ، وقال أنه سيكون تعيساً جداً لو اتخذ هذا المبدأ لمعالجة القضية و ستحل بعائلته كارثة ستقضي عليها و ذلك لعدة أسباب .. واليوم نتعرض للأسباب التي أشار إليها هذا الأب المهموم فهو يقول: أن تنازلي عن قضية ابنتي كان لكونها غير مسئولة عن نفسها ، و أن زوجها من أهل الله ، ونتعاون أنا وهو في تسيير الحياة ، برغم أنني متقاعد براتب 2600 ريال ، و تنازلي كان بسبب لهجة القاضي ..
وأما ابني فهو متزوج ولديه 3 أبناء صغار ، و يعمل عسكري وهو معرض للتقاعد المبكر عند الحد الأدنى من راتب التقاعد لأنه ليس لديه خدمة طويلة ، فخدمته 7 سنوات برتبة عريف ، والشلل الحاصل برجله لا تقبله جهات مرجعه ، وهم في انتظار ما تؤول إليه القضية وبناءً عليه سوف يتم إحالته على التقاعد وبذلك ستكون الكارثة ، فهو براتبه الحالي 3650 ريال لا يستطيع أن يعيش هو وأبناؤه ، فكيف إذا تقاعد بأسباب هذا الشلل ؟ و من يتحمل وزر هذه الكارثة ، نحن أم المتسببين ؟ هل يُعقل أن تعالج الأخطاء بهذا المنوال ؟ إن الجزء الذي تعطل في بدن ابني يحرمه من وظيفته ، فهل من المعقول أن يتم تعويضه وفقاً لمبدأ الدية ، مقسمة على الجسم كل عضو بقيمته الاعتبارية ؟ هل في هذا الوضع عدل للمتضرر ؟ إنني في حيرة كبيرة ، و وضع فوق طاقتي ، وسوف لن أتحمله ، فأرجوك المشورة .. ثم ينتقل إلى الخلاصة فيقول :
1- أنه لم يعد له أمل في إثارة قضية ابنته .
2- أن قضية ابنه أخذت من الوقت من 24/12/1419هـ وحتى الآن ولم يُبت فيها ، ورجله تزداد ضموراً من الشلل ، و نفسيته تدهورت إلى حد غير مقبول .
3- الكل يعلم أن مبدأ معالجة الخطأ الطبي عند اللجنة المختصة يعتمد على مبدأ الدية ، وهذا أمر مشجع للمستشفيات الخاصة ، إذ أن الدية بأكملها ربما لا تمثل نصف دخل يوم لهذا المستشفى ، هذا إذا كان سيُحكم بالدية كاملة ، فما بالك بمن سوف يُحكم عليه بجزء اعتباري للعضو المتعطل في بدن المتضرر ؟
4- أن قضية ابني منذ بدأ التحقيق فيها لم يتم اطلاعنا على مجرياتها ، لأنه كما قيل أنها تتم بصفة سرية ، وقد تحدد موعد مقابلة اللجنة في 16/3/1421هـ ، وهي لجنة سوف تحكم في القضية ، وسوف نقابل اللجنة ، فكيف سيكون جوابنا على قضية لا نعلم عن مجرياتها وماذا قُرر فيها من قبل اللجنة ؟ وكيف يُحرم الإنسان من حق العلم بمجريات قضية هو المدعي فيها ، و نحن في دولة يتمتع فيها الإنسان بحقوقه وفقاً لما شرعه الله سبحانه وتعالى ؟ انتهى كلامه ..
و أما عن مشورتي له ، فهي التذرع بالصبر و الاستعانة بالله ، والتوكل عليه ، و أما عن تعليقي على ما جاء في رسالته فهو أن الأخطاء الطبية أصبحت هاجساً و شبحاً مخيفاً لكل من يُقدر الله عليه المرض و مراجعة المستشفيات ، فإذا كانت حقنة في العضل قد تؤدي إلى شلل فما هو الذي دونها فلا يُخشى منه في المستشفيات ؟
لقد طالعتنا الصحف بالكثير الكثير من الأخطاء الطبية التي أودت بحياة البعض ، و حولت البعض الآخر إلى كوم لحم ، معاقين جسدياً أو عقلياً .. ، و حولت حياتهم و حياة أسرهم إلى تعاسة و فقر و حاجة .. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ..
و لاشك أن مبدأ الدية يحتاج إلى إعادة نظر ، ولابد من البحث عن أسلوب للتعويض عن الأضرار بما يتناسب مع الضرر الحاصل و حجم الآثار المترتبة عليه ، و التي تختلف من شخص لآخر ، وفقاً لحالته المادية والأسرية و مكانته الاجتماعية .. و لعل الحل يكمن في الوصول إلى صيغة إسلامية للتأمين يتم من خلالها تعويض المتضرر وفقاً لحجم تضرره وبما يكفل له ولأسرته حياةً كريمة ، و في نفس الوقت يتم حماية الطبيب من آثار ما يترتب على أخطائه غير المقصودة ..
22/2/1421هـ فائز صالح محمد جمال فاكس 5422611-02E-mail: fayezjamal@yahoo.com
بيانات النشر
نُشر يوم : الأحد الموافق 24/2/1421هـ
في صحيفة : الندوة رقم العدد : 12645 صفحة رقم :5 (الرأي) .
التعديل : لا يوجد .
12645 مكة المكرمة الرأي 24/2/1421 الندوة رابط المقال على النت http://