أحياؤهم تاريخية و أحياؤنا عشوائية !!
الحديث عن الأحياء القديمة في مدننا لا ينقطع .. و كذلك معاناة و آلام أهلها ..
فسكان الأحياء القديمة عندنا يعانون الإهمال من قبل الجهات الحكومية ذات العلاقة ، ومن تبعات هذا الإهمال تحويل بعضها إلى أماكن لتجمُّع المخالفين و للممارسات المخالفة الضارة بالأمن و المجتمع.
وما لبث أن تحوّل هذا الإهمال إلى ذريعة لذات الجهات التي أهملت تلك الأحياء إلى تصنيفها ضمن العشوائيات لتبرير إزالتها و محو تاريخها و ذاكرة أهلها الاجتماعية .. وعندما تكون الإزالة تحت عنوان تطوير العشوائيات لصالح المستثمرين و ليس لصالح سكان الأحياء يبرز ظلم يتمثل في بخس تقدير أقيام المباني و الأراضي من أجل تحقيق الجدوى الاقتصادية للمستثمرين.
بمعنى أن سكان الأحياء القديمة عندنا يُظلمون ثلاث مرات ؛ الأولى الإهمال و نقص الخدمات و الثانية الإجلاء و محو الذاكرة و الثالثة ظلم التقديرات.
هذه مقدمة مختصرة عن واقع الأحياء القديمة عندنا و نظرة بعض المسئولين و المتنفذين لها للحديث عن واقعها و كيفية التعامل معها في الدول المتقدمة.
فقد قضيت إجازة الصيف الماضي متنقلاً بين مدن فردوسنا المفقود (الأندلس) و ما حولها من مدن إسبانيا ، و راصداً لأحوال أحياءها القديمة و التقطت مئات الصور التي سأنشر بعضها رفق المقال على موقعي الشخصي على النت.
فوجدت كل ما نعتبره مبرراً لإهمال أحياءنا القديمة و التقاعس عن توفير الخدمات وصولاً إلى تبرير إزالتها ؛ مثل ضيق الشوارع و الطرقات و تعرجاتها .. و لكني في ذات الوقت وجدت تكامل جميع الخدمات في كل الأحياء القديمة وفي جميع المدن الإسبانية ؛ من مياه و صرف و اتصالات و نظافة و أمن و نقل عام .. وتحويل هذه الأحياء إلى مناطق جذب للسيّاح من أنحاء العالم. وهذا الواقع شاهدته في كل من غرناطة و قرطبة و مالقا و طليطلة و برشلونة و مدريد دون استثناء ..
و أشد ما آلمني أن الأحياء القديمة في مدن مقاطعة الأندلس مليئة بالآثار و المعالم التاريخية الإسلامية التي تم المحافظة عليها و ترميمها و إيصال كل الخدمات إليها و لم يتم إزالتها –كما يتم عندنا- لا بذرائع العشوائية و لا التطوير و لا بكونها من تراث العهد الإسلامي الذي انقضى منذ حوالي خمسة قرون و قد يُنظر إليه بعين غير الرضا.
العالم الأول عندهم يعتبر الأحياء القديمة أحياء تاريخية و تراث إنساني لابد من الحفاظ عليه .. أما العالم الأول عندنا يعتبرها عشوائية لابد من إزالتها ..
العالم الأول عندهم يحتفي بحياة السكان .. ذكرياتهم .. بناءهم العاطفي .. بناء الانتماء لديهم ..
إما العالم الأول لدينا هو الاحتفاء بمصالح القطاع الخاص على حساب حياة السكان و ذكرياتهم و لا يقيم وزنا لانكسار نفوسهم و خواطرهم عند انتزاعهم من احياءهم عنوة ..
نحن نمحو أحياءنا القديمة بينما هم يحافظون عليها و يطوروا خدماتها لتواكب تطور مستويات الحياة .. و يستثمروها حتى اقتصادياً ..
في العالم الأول توضع الأنظمة لخدمة المصالح العامة أما عندنا فلا بأس أن تنحاز لطرف على حساب طرف بذرائع شتى ..
و لائحة العشوائيات التي صدرت قبل عدة سنوات تعكس كل ما ذكرته من قسوة على تاريخ مدننا و سكانها و ذاكرتهم و وجدانهم ، و هي أيضاً تعكس ما أشرت إليه من انحياز لغير المصالح العامة ..
و عند تطبيقها اتضح استغلال الحاجة للتطوير و تضخيم الآثار السلبية لإهمال الأحياء القديمة أمنياً و اجتماعياً لتمكين الأثرياء و أصحاب النفوذ من أملاك الفقراء ؛ و الدليل أن كل بدائل التطوير لما سمته أحياء عشوائية مجمدة عدا البديل الذي يمكن من التسلط على أملاك الغلابى .. فالرويس و خزام في جدة و الطريق الموازي و جبل الشراشف في مكة أمثلة على ذلك .. و للحديث بقية
د. فائز صالح جمال
15/01/1436هـ
بيانات النشر
اليوم |
التاريخ |
الصحيفة |
رقم العدد |
الصفحة |
|
الإثنين |
17/01/1436 |
10/11/2014 |
مكة المكرمة |
302 |
الرأي |
التعديل : حذف ما تحته خط |
|||||
http://www.makkahnewspaper.com/makkahNews/writing22/88159/88159.html |
302 شئون بلدية الرأي 17/01/1436 صحيفة مكة رابط المقال على النت http://www.makkahnewspaper.com/makkahNews/writing22/88159/88159.html